أنا لست “…” ولن أكون “…” !


لطالما كنت من نوعية الأشخاص الذين لايكتفون بتجارب غيرهم، بل يسعون لتجاربهم الشخصية. ومهما سمعت من تجارب الآخرين إلا أن التجربة التي أمر بها بنفسي يكون لها وقعا أكبر وأعمق فائدة.

قد تستغرب لماذا أبدأ بمقدمة كهذه، وسوف تتساءل حتما مالمقصود من العنوان، والذي لن أكتبه كاملا ولكن سأكتفي بإعطاء دلائل عليه من خلال كتابتي لهذا الموضوع. أول دليل على على العنوان: كلمتان محذوفتان، ولكن متشابهتان.

قررت قرارا وبعد عشر سنوات من عملي في وظائف متعددة أن لا أستمر تحت رحمة الوظيفة للأبد، بل سأعمل جاهدا على تكوين عالمي الخاص سواء أكون قائما بنفسي، او من خلال منشأتي الصغيرة في المستقبل. رغم قرائتي في مرات عديدة عن واقع الوظيفة، ورغم سماعي من أشخاص كثر في محاولات لإقناعي بأن أبدأ عملي الخاص وأن أترك رحمة الوظيفة لـ "المرحومين"، إلا أني لم أكن أقدم على خطوة كتلك، واكتفيت دوما بفكرة تشبه الحلم ولم تلمس الواقع بأي شكل (إقرأ إن أردت A Dream of Mine).

السبب؟… عدم تجربتي الشخصية لما كان يقوله الكتاب والأصدقاء وكل من عرفت كان مهتما ومقتنعا بذلك. وعندما أحسست وعشت التجربة بمنظوري الخاص، وصلت لتلك القناعة والتي اختصرتها:

أنا لست "…"، ولن أكون "…"

وما يملأ الفراغ هو اسم كائن حي تضرب له الأمثال بمختلف أشكالها.

مهما وعدتك الوظيفة بالكثير فإنه يبقى قليل، ومهما أعطتك من حريات، فإنها تظل محبوسة في قفص تصنعه رغبات غيرك، وخطط إدارتك (التي أرجو ان تكون حكيمة)، والمرجعيات المختلفة. مرجعيات تتدرج من مديرك، إلى مدير مديرك، إلى رئيس الفرع، ومن ثم مدير الإقليم. ولن تنتهي هنالك، حيث يأتيك مدير الأقاليم، والذي يرجع بدوره إلى مدير إقليم الأقاليم… حتى تصل لنائب الرئيس والذي يرجع لمدير "ما"، وأخيرا تصل للمدير التنفيذي أو مايسمى بالـ CEO. وهو بدوره يعطى حريات داخل قفص رغبات وأهداف مجلس الإدارة Board of Directors.

ورجاء عدم فهمي خطأ… فكثير من الشركات والمؤسسات إن لم يكن كلها، لايتسنى لها تحقيق رؤيتها وأرباحها إلا بمثل هذا التعقيد من المنظومة الإدارية. ما أرمي إليه هنا هو الفرق بين أن تدير مثل تلك المنظومة (صغيرة كانت أم كبيرة) أو أن تبقى فردا يتحرك بحركاتها. وباختيارك الأخير، يمكن أن تبقى عضوا فاعلا ولكن ستضل مكبلا بما يريده الآخرون وهذا هو ما أرفضه فـ

أنا لست "…"، ولن أكون "…"

ذلك الشيء الذي يحمل أحماله من غير كلل أو ملل.

يكفي من فكرة الخروج من تلك المنظومات وإنشاء عالمك الخاص (وربما منظومتك الخاصة) الإحساس والتجربة التي ستعيشها!

يكفي من ذلك القدرة على وضع أهدافك ورؤاك الخاصة والتي تقتنع بها 100% بدلا من محاولة إقناع نفسك برؤى غيرك وأهدافهم، حتى وإن كانت جميلة وسامية!

يكفي من ذلك الحرية المطلقة التي ستمتلكها بدلا من حريات مزعومة تخلقها لك وتعيشك فيها إدارة شؤون الموظفين في منظومتك!

يكفي من ذلك قدرتك على الاستجابة السريعة لمتطلبات العمل وما تراه مناسبا، دون أن تكون حبيس الأرقام ومؤشرات الأداء التي يضعها غيرك، والتي يمكن أن تكون ناجمة عن اجتهادات شخصية من شخص "ما" في منطقة "ما" ولأسباب "ما". وغالبا ما تكون تلك الـ "ما" أكثر تفلتا وتشكلا من "الماء"!

يكفي من ذلك أنك تتحمل أخطاءك الخاصة، ولا تتكبل أخطاء غيرك، أو تتكبد عناء تغيير الصورة التي شوهت بسبب ما، أو تقوم بعمل خطط تسويقية ومسؤولية اجتماعية لتحسين تلك الصورة!

يكفي من ذلك مرونة الحركة التي ستتمتع بها، والخلاص من قوائم طويلة وعريضة من السياسات والأحكام التي إن فهمت منها شيئا، فلن تجده إلا السقيم المتناهي في السقم، والذي لايزيدك إلا تعطلا وبطء في مسيرتك نحو أهدافك!

يكفي من ذلك أني لست "…"، ولن أكون "…"

ذلك الذي يضرب له المثل في التحمل وحق له ذلك، مع كثرة الأعباء التي سيتكبدها من خلال منظومته الواعدة!

ويأتي الحين الموعود، وأنطلق بحرية في سمائي الخاصة… أقوم بإنشاء منظومتي الخاصة والتي من خلالها أحقق أهدافي ورؤاي التي أرمي لها، بطريقتي وأسلوبي الخاص.

تلك المنظومة التي تبدأ بفرد واحد، ثم تتوسع لتشمل من يساعدني في عملي الإداري، فالمبيعات، فالتسويق، وهلم جرا. وحتى أحكم عمل منظومتي، أسن الرؤى المستقبلية وأشارك بها الآخرين. نضع خطط المبيعات والاستثمارات والعائد منها، ونضع مؤشرات الأداء لمراقبة العمل وتحركاته ومعرفة الأوليات.

نوظف المزيد ممن يرغبون في العمل في منظومتنا الواعدة، ويتطلب ذلك إدارة لشؤون الموظفين. تكبر المنظومة وتكثر مجالاتها ويتم خلق إدارات مختلفة للقيام بمختلف الأعمال. يتطلب ذلك المزيد من الجهد لوضع خطط تناسق وتكامل بين أعمال مختلف الإدارات.

تأتي المؤسسات الخارجية لفرض قوانينها وسياساتها والتي تتطلب منا التوافق معها، وبالتالي نكون بحاجة لوضع قوانينا التي تحكم تعاملاتنا مع عملائنا وشركائنا. تتعقد السياسات والأحكام وتكثرويتطلب ذلك المزيد من الجهد والعمل لمواكبة النمو الحاصل لمنظومتنا الكريمة.

يبدأ الموظفون في مراحل من الضغط ناجمة عن الخطط المحكمة والمؤشرات المفروضة عليهم. وحتى نوازن ذلك نحتاج أن نبين أن منظومتنا هي أهل لتلك الضغوط، فتبدأ إدارة شؤون الموظفين بعملها ل
لق البرامج المختلفة لإبقاء الموظف سعيدا في بيئة "حرة"، ولكن حبيسة قفص منظومتنا الواعدة.

يا إلهي!!! لقد خلقت من منظومتي قفصا آخر تجعل من الموظفين فيها كـ "…" لكدهم وتعبهم وتحملهم الضغوط، ولاستحالة تحقيق جميع مايرجونه أو يحلمون به من أهداف شخصية!… وأقول لهم في حينها:

أنتم لستم "…"، ويجب أن لا تكونوا "…"!

فمن أراد البقاء والرضا فله مايريد، ومن أراد التحرر فليفعل كما فعلت أنا سابقا …

فأنا لست "…"، ولن أكون "…"

والفرق أني هنا من يدير تلك المنظومة، ويمكنني إحداث التغيير والمعجزات (إن لزم الأمر)، بينما في الأولى كنت تحت رحمة غيري ولم أكن صاحب القرار!

About these ads

6 thoughts on “أنا لست “…” ولن أكون “…” !

  1. موضوع جميل ورائع يعبر من ما يدور بخلد الكثيرين ممن ليسوا… ولن يكونوا… اتمنى لك كل التوفيق في تحقيق منظومتك الخاصة ولكن حينها … ارجوك الا تنسى تجاربك السابقة مع لست ولن اكون
    بالتوفيق :)

  2. ما شاء الله كلام رائع يا أبو ريان :) …. ولكن ماذا لو استطعت تشكيل عالمك الخاص وتمكنت من تحقيق اهدافك في وظيفتك؟ عندها سيكون الهدف من المنظومة الخاصة مختلف تماما واقرب من ان يكون مصدر دخل إضافي.

  3. هلا أبو أحمد…
    يمكن ذلك… وهو يعتتمد على نوعية أهدافك…وتوافقها مع وظيفتك

    سرني رؤية تعليقك ونراك قريبا إن شاء الله

  4. في كثير من الأحيان، أو ربما دائما نسمع من المحيطين بنا الرغبة في بناء حلمهم الخاص وخوض غمار المغامرة، أو الربح المادي
    والقليل هؤلاء من يفصح عن تفاصيل حلمه الذي يطمح إليه، وتبقى التفاصيل سرية وحبيسة في عقل صاحبها للأبد

    وكما قال الشاعر النبطي
    يا كثر ماقلت أبسوي وأبسوي
    ومافي شي من اللي قلته سويته

    راحت حياتي ونا اطري وانا انوي
    واللي بغيته نسيته يوم خليته

    أنا احسب اني صغير وبالعمر توي
    لاشك شيبت واحلى العمر عديته

    ياليني يا سعد يومه صفى جوي
    هاك الزمن ياشريف البيت خاويته

    هل الحديث عن تفاصل المشروع بشكل علني يجعله اقرب للواقع ويدخل صاحبة في أول خطوة للتغيير؟
    وعلى النقيض هل الاحتفاظ بتفاصيل الفكرة الاسثتمارية يجعلها حبيسة في عقل صاحبها إلى الأبد؟

    هل الخوف من مشاركة الغير بالأفكار الخطير (في نظر صاحبها) سبب لبقاءها حلما لا يرى النور؟

    إذا كانت هذه الفرضيات صحيحة، فمبروك لك ياعبدالرحمن فقد بدأت أول خطوة تجاه مشروعك الخاص
    اهم شيء لا تنساني من الفوائد :)

    • يعطيك العافية أبو عزام على التعليق
      وأتمنى من كل قلبي أن الفرضيات صحيحة في حالتي، حتى يتسنى لي أن أرد التهنئة بالتبريكات بثقة :)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.
Theme: Esquire by Matthew Buchanan.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: